إن الخطوات التي تم السير بها للوصول إلى ما وصل إليه العراق اليوم إنما هي إحدى الأسس التي يجب أن يتمسك بها شعبه لكي يستطيع أن يبني أسسه وقواعده وكل بناه التحتية ، التي من خلالها يستطيع أن يرتكز ويسير نحو التقدم والازدهار بكل ثقة ورباطة جأش ، تاركاً ورائه كل ما تم بناءه في العقود الماضية والتي أخذت مأخذها وطبعت طابعها على تصرفاته وعاداته وتقاليده ومست حتى بعض من أعرافه التي سار بها طوال السنوات الماضية ، وهذه لطالما زعزعت ثقته وعلاقته بقياداته وبأبناء شعبه أنفسهم .
إن المرحلة الجديدة التي مر بها الشعب العراقي والتي استطاع أن يثبت أسسها وقواعدها من خلال إبداء رأيه في صناديق الاقتراع ولو بأعداد قد يراها البعض قليلة نسبيا وغير كافية بان تكون هي الأساس ، ولكنها بالوقت نفسه دليل على وعي وقدرة أبناءه على أبداء رأيهم والتمسك به ، متحدين كل الصعوبات والعوائق التي وضعت أمامهم وبكل قوة وقدرة على ذلك .
لذلك على الجميع أن يدرك أهمية المرحلة القادمة والتي تعتبر نتاج وثمرة سنوات طويلة من التعسف والمشقة والحرمان بحقه، وان يقف موقفه من خلال معرفته لأهمية الفدرالية التي تعتبر كنظام جديد يشهده العراق وسن أسسه وقواعده وقوانينه وشرعيته من خلال الدستور الذي صوت عليه في عام 2005 وضحى من اجله .
إن الفدرالية بأبسط معانيها تعني أن هناك حكومة عامة تحكم كل البلاد وحكومة خاصة تحكم الأقاليم والمحافظات ، وتحوي هذه الأقاليم والمحافظات على دستور خاص بها وقوانين بشرط ألا تتعارض مع الدستور الاتحادي أي ( دستور البلاد العام ) ، وكذلك تحتوي على سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية إضافةً للسلطات الاتحادية ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) ، وقد تعطى هذه السلطات المحلية في بعض الأحيان صلاحيات أوسع من السلطات الاتحادية بناءاً على قول ) أهل مكة أدرى بشعابها ) ، أو تكون في بعض الأحيان متساوية في الصلاحيات ، وقد تكون السلطات الاتحادية ذات صلاحيات أوسع ، أما فيما يخص هوية البلاد فجميع الشعب يحمل جنسية واحدة ، ويرأس البلاد رئيس واحد ، وللبلاد علم اتحادي واحد إضافة إلى أن لكل إقليم علمه الخاص به ويحق له أن يضع علمه الخاص به بجانب العلم الاتحادي ، وكذلك التمثيل الخارجي يكون واحد من خلال ( وزارة الخارجية ) في الحكومة الاتحادية ويحق لكل إقليم أو محافظة أن تأسس مكاتب في السفارات والبعثات الدبلوماسية ، لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والإنمائية وهذا ما جاءت به المادة (117) الفقرة الرابعة من الدستور العراقي لعام 2005 ، وهنا تكمن أهمية هذا النظام من خلال تطوير الأقاليم والمحافظات من خلال الإطلاع المباشر من قبل الممثلين عن هذه الأقاليم والمحافظات على آخر التطورات التكنولوجية والتقدم الذي يشهده العالم والذي يمكن أن يتم نقله أو الاستفادة منه في الإقليم أو المحافظة وبهذا تؤصل حالة التنافس في المشاريع التنموية لتطوير الأقاليم والمحافظات وتجعل منها عملية تنافسية يسعى لها الجميع ليحتل الصدارة بالتطور والإبداع .
إن المستقبل الجديد الذي يتخوف منه البعض كونه قد يؤدي إلى تقسيم البلاد وتفرقة شعبه وهذا ناتج عن الرؤى الضيقة التي يراها البعض ، أو التي قد رسمت لها بعض التكتلات والأحزاب السياسية لتكون كذلك لإغراض تخص مصلحتها الخاصة أو مصالح أخرى خارجية مرتبطة بها لتنفيذ استراتيجية موضوعة ومدروسة بكل دقة ومنهجية تؤدي إلى تحقيق مآربها بعيداً عن تطلعات وآمال الشعب العراقي الذي طالما تحمل وبذل الغالي والنفيس لأجل غيره عدا بعض التهور والعنجهية التي قامت بها قياداته في النظام السابق وتحمل الشعب وزرها .
لذلك فأن الفدرالية التي نص عليها الدستور العراقي هي ليست تقسيم البلاد إلى أقاليم بحسب ما يراها البعض من السياسيين أو الكتل أو الأحزاب السياسية على أساس قومي أو عرقي أو طائفي أي تقسيم البلاد على أساس أن هناك إقليم للشمال وآخر للوسط وأخير للجنوب وبهذا يكون العراق قد أصبح بلداً مقسماً يطمع به كل طامع ، ولكن ما جاء بالمادة (115) من الدستور العراقي لعام 2005 والتي نصت " يحق لكل محافظة أو أكثر ، تكوين إقليم بناءاً على طلب بالاستفتاء عليه ، يقدم بإحدى طريقتين :ـ
1. طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم .
2. طلب من عشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم . "
وبهذا تكون الفدرالية هي ما يتطلع اليه الشعب العراقي لكي يستطيع التقدم والمضي بالاتجاه الصحيح دون أن يظل في شك دائم بعدم قدرة هذا النظام الجديد بان يخدم تطلعات شعبه ، وبذلك يستطيع أي شخص أن يرى الدول التي طبقت هذا النظام وهي الآن في قمة من التطور والتقدم العلمي والتقني أمثال الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة ، وهذا أيضا يعتمد على الكفاءات وأصحاب الاختصاص الذين سيقودون المجتمع إلى الأمام ، لذلك فأن هذه المرحلة تعتبر حرجة ومهمة في الوقت ذاته لأنها ستحدد نجاح هذا النظام أو عدمه لان من سيتم انتخابه هو الذي سيخدم الشعب ويلبي طموحاته ، لذلك على الجميع أن يكونوا على أعلى درجات اليقظة والإدراك لاختيار ممثليهم في انتخابات مجالس المحافظات القادمة لا أن يعتبروا الهفوات التي مرت بها الحكومة هي القياس والمعيار الذي من خلاله يمتنعوا من الذهاب إلى صناديق الاقتراع لان ذلك سيؤدي إلى إعادة الكرة من جديد .
|